تجديد الخطاب التعليمي

739

كتب : أ.د/ جودة مبروك محمد
يعد الخطاب التعليمي أحد أنواع التواصل في إطار نظام تعليمي، وهو من هذه الناحية متعدد الوجوه، منه الشفاهي أو الإشهاري، ومنه الكتابي، وما يعنينا هنا الأخير المتمثل في المقررات الدراسية بوصفها خطابًا مكتوبًا لجميع أفراد المنظومة، ويتمثل في الكتاب المدرسي الذي يعد مرجعًا للأستاذ والطالب، وإذا ما قلنا إنه خطاب فينبغي له أن يحتوي على مجموعة من السمات التي تُسهم في إيصاله وتحقيق الأهداف المرجوة منه، لعل أهمها مراعاة السياق الحضاري  والثقافي بوصفهما متلازمة بيئية للمتلقين، ومطابقة  الحالة العقلية لهم مع ما يحمله من مضامين، والنظر إلى الوسيط التقني والتكنولوجي أو ما يطلق عليه (تكنولوجيا التعليم) بحيث يمكن ترجمته إلى رقمنة بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي، والإلمام بأحدث النظريات والمكتشفات والمستجدات والتقنيات العصرية ، أو ما يطلق عليه الخطاب العلمي، فيؤدى ذلك الخطاب العلمي على شكل تربوي يستطيع الطلاب فهمه واستيعابه، بحيث يضع المتعلمين في المستقبل المرسوم لهم.

فأحد مصادر الخطاب التعليمي المقرر الدراسي، كما ذكرنا، بحيث يحوَّل ذلك المتحوى العلمي إلى تعليمي أو تربوي، تتحق به مجموعة من الأهداف في نقل المعلومات إلى الطلاب بسهولة ويسر، فهو خطاب قائم على اثنين متحاورين الأنا والآخر.

وفي مقالة لا تزيد عن ثلاثمائة كلمة أورد الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن رئيس جامعة الوصل بدبي روشتة تنطلق من مجال تخصصه التربوي عن (المناهج التعليمية بين التطوير والاستدامة) ليوصِّف حالة المقررات التعليمية في العصر الراهن في النظم التعليمية العربية، فيرى في البداية أن التعليم أمر لا يستهان به، فهو أساس نهضة الشعوب، وهو السبيل إلى تحسين أوضاع الإنسان على وجه الأرض وعلى مرِّ الأزمان، ويفنِّد العقول التي كان لها النصيب الأوفر في هذه النظرة، فتتجاوز القضية التربويين إلى مجالات كثيرة من أصحاب التخصصات المتعددة، فالتعليم أحد أركان الحياة الإنسانية الرئيسة والتي تجتمع على مائدته شؤون البشر، فنتائجه الجيدة مصدر فخر واعتزاز، والعكس أنه يخلق عقولاً غير فعالة وغير منتجة إن لم يكن تعليمًا فعَّالاً.

لكن القضية التي لا مفرَّ منها في التطوير المستمر الذي لا تبرح فيه المقررات من تطوير، وتترك على حالها سنوات كثيرة دون تغيير وتتطويريناسب التطور السريع من حولنا، ولا شكَّ أنه ينبغي أن يكون هدفًا للإدارات العليا المسؤولة عن السياسة التعليمية من حيث الشكل والمضمون، وكذلك من حيث وسائل التعليم وآليات التقويم، بما يضمن الوصول إلى المقياس الحقيقي للحالة العلمية والمهارية التي وصل إليها الطلاب، وأما تطوير المناهج فأمر بات واجبًا، بما يتفق مع مستجدات العلم ونظرياته وواقع الحياة التي يعيشها أبناؤها اليوم في ظل السباق الحضاري والثقافي والعولمة، التي قد تتيح فرصًا أكبر لمصادر التعلم وتكوين رؤية خاصة بالطلاب تمكنهم من تجاوز عتبة هذه المقررات خاصة إذا عفا عليها الزمان، واتسمت بالجمود.

ويرى الدكتور محمد عبد الرحمن أن بعضًا لا يستهان به من المقررات الدراسية على مدى سنوات تسكن في دهاليز الماضي، وتسير في طريق غير ممهد من متطلبات المجتمع وثقافته وحاجة سوق العمل الذي ينتظر وُلُوج الجيل الجديد إليه، فإذا كانت هذه المقررات قد ناسبت عصرًا مضى، فإنها ليس لزامًا أن تناسب عصرنا (فالأحداث اليوم لا يمكن تحليلها والنظر إليها بعين النظرة التقليدية السابقة)، فهذا قد يضعنا أمام الفشل بعينه، من جهتين: أن بعض المقررات خارج متطلبات العصر، فلا تعبر عنه، ولا تجاريه، فتنتج عقولاً خارج الخدمة؛ لأن المقررات نفذ رصيدها، فكأننا نملأ عقول أبنائنا بما لا يفيد، وهو إلى أساطير العلم أقرب، والجهة الثانية أن تخصصاتٍ برمتها ما زالت في جامعاتنا وتحتاج إلى تطوير أو استعاضة عنها بتخصصات أخرى، فما أحوجنا ههنا إلى تجديد الخطاب التعليمي والخريطة التوزيعية لتدرج دراسة العلم أو المخطط الزمني لبناء العقل الطلابي.

يحتاج التطوير إذن إلى كفاءات علمية من قلب الأحداث ومن واقعنا التعليمي، بحيث نتمكن من وضع خطة للتطوير والانطلاقمن خلالها إلى آفاق العصر المعاش، مع تحديث في هيئة المؤسسات التعليمية وتنوعها وتكوينها بما يضمن جاهزيتها لتقديم خدمة تعليمية أفضل.

تلك رؤية ودعوة إلى تحديث المقررات الدراسية، وضرورة القضاء على المحتوى المستديم، الذي ينتج أجيالاً مكررةً من الماضي، ليست بقادرة على التواصل مع التقدم العلمي الهائل.

اقرأ أيضا:تجديد الخطاب الديني من منظور آخر

Visited 5 times, 1 visit(s) today

التعليقات متوقفه