التسامح بين الأديان: حقيقة أم وهم؟

0 349

خالد محمود

التسامح بين الأديان قضية قديمة متجددة، تتكرر في الخطاب الإنساني دون أن تجد تجسيدًا حقيقيًا على أرض الواقع. نسمع بين الحين والآخر عن ضرورة التسامح والتعايش بين الأديان، وكأنها مفاهيم غريبة تحتاج إلى تبرير أو تفسير، بينما يفترض أنها من صميم الفطرة الإنسانية. ولكن لماذا نحتاج إلى الحديث عن التسامح أصلًا إذا كانت الأديان، كما يدّعي أتباعها، تدعو إلى المحبة والتآخي والسلام؟ وأي تسامح هذا الذي نبحث عنه في عالم تمزقه الحروب والصراعات باسم الدين؟

إن أكثر ما يثير الدهشة أن أتباع الديانات السماوية يؤمنون بأنهم يعبدون إلهًا واحدًا، ومع ذلك، فإن صراعاتهم لم تهدأ منذ قرون. فكيف يمكن لمن يؤمنون بالإله ذاته أن يقتلوا بعضهم البعض بسبب اختلافات عقائدية؟ هل المشكلة في الدين ذاته، أم في تفسيره، أم في الإنسان الذي يستخدم الدين كأداة للهيمنة والسيطرة؟

الحقيقة أن التاريخ البشري يشهد بأن الدين، بدلاً من أن يكون عامل توحيد، استُخدم كوسيلة لفرض السيطرة السياسية والاجتماعية. فعلى مر العصور، تحول الدين إلى سلاح يُستخدم لتبرير الحروب، واستعباد الشعوب، وإقصاء المخالفين، بل وحتى للقضاء على الابتكار الفكري والعلمي تحت ذرائع التكفير والهرطقة. فكيف يمكن الحديث عن التسامح في ظل هذا الواقع؟

التسامح: شعار أم حقيقة؟

إذا كان التسامح مجرد دعوة لفظية تُطرح في المحافل الدبلوماسية والمؤتمرات الدينية، فما قيمته الحقيقية؟ هل هو مجرد قناع يخفي صراعات المصالح؟ إن التسامح الحقيقي لا يعني فقط قبول الآخر شكليًا، بل يعني الاعتراف بحقه الكامل في الاختلاف، دون وصاية أو محاولة لترويضه ليصبح “مقبولًا” وفق معايير الأغلبية.

ولكن ما نراه اليوم لا يعدو كونه تجارة بالعقل والدين، حيث يتم استغلال مفهوم التسامح سياسيًا واقتصاديًا لتحقيق مكاسب لا علاقة لها بروح الأديان. فمن يدعو إلى التسامح في العلن قد يكون في الخفاء داعمًا لسياسات التمييز والإقصاء. ومن يرفع شعار الحرية الدينية قد يكون ذاته من يمارس القمع على المختلفين عنه.

إن الوصول إلى تسامح حقيقي يتطلب ثورة فكرية تقتلع جذور التعصب من أساسها، وتعيد تعريف الدين بعيدًا عن القيود التي فرضتها المصالح البشرية.

لن يتحقق التسامح ما دامت الأديان تُستخدم كأدوات سياسية، وما دام هناك من يعتقد أن الحقيقة المطلقة في يده، وأن الآخر أقل شأنًا لمجرد اختلافه في العقيدة.

إن التسامح ليس مجرد شعار يُرفع، بل هو ممارسة تبدأ بالاعتراف بأن الاختلاف سنة كونية، وأن الإيمان الحقيقي لا يتعارض مع قبول الآخر، بل يتجسد في احترامه. حينها فقط، يمكن أن يكون التسامح حقيقة وليس وهمًا يُسوَّق في خطابات زائفة.

اقرأ للكاتب:
حنين الشاعر وشبابه الضائع: تحليل قصيدة ‘يا جارة الوادي

الآبائية والكهنوت في ميزان الفكر الحديث: حوار مع الكاتب المغربي يوسف هريمة
الحرب الدينية: بين التجارة والإنسانية
العقل في مواجهة الدين والفلسفة: استكشاف العلاقة بين الإيمان والمنطق 
الابتكار الأدبي: ليس في الفكرة فقط بل في الأسلوب  

Visited 38 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق