فوزية عرفات: الأدب بين التأريخ والسرد النقدي.. ورحلة في عالم الجاسوسية

الأدب وتأريخ الأحداث.. فوزية عرفات تتحدث عن دور الرواية في توثيق التاريخ

0 148

تُعد الأديبة اللبنانية فوزية عرفات من الأصوات الأدبية البارزة التي استطاعت أن تدمج بين الأدب والتاريخ برؤية نقدية ثاقبة، حيث تنوعت أعمالها بين الرواية، القصة القصيرة، والأدب النقدي الساخر. حاصلة على دكتوراه في علم الآثار والمتاحف، وهو ما انعكس على كتاباتها التي تحمل بُعدًا تاريخيًا ومعرفيًا واضحًا.

في هذا الحوار، نتعرف على بداياتها ومسيرتها الأدبية، ورؤيتها للأدب كأداة توثيق وكشف للحقائق المخفية. كما نتناول روايتها الجديدة لؤلؤة الموساد، التي تسلط الضوء على شخصية شولاميت كوهين، الجاسوسة الإسرائيلية التي لعبت دورًا محوريًا في المنطقة. تتحدث عرفات  لـ “الجمهورية والعالم “عن التحديات التي واجهتها خلال البحث والكتابة، ورأيها في تأثير الشخصيات الجاسوسية على المشهد السياسي.

كما تتطرق الكاتبة إلى رؤيتها للحرية الفكرية في العالم العربي، دور الأدب في توثيق التاريخ، وتأثير الحروب والصراعات على الفكر العربي، في حوار شيق يكشف الكثير عن رحلتها الأدبية ورؤيتها العميقة للمشهد الثقافي والسياسي في المنطقة.

حاورها : الناقد خالد محمود

حوار صحفي مع الأديبة اللبنانية فوزية عرفات،

البداية والمسيرة الأدبية

د. فوزية، بدايةً، حدثينا عن رحلتك الأدبية، كيف بدأتِ شغفك بالكتابة، وما الذي دفعكِ لخوض هذا المجال؟

بدأ شغفي بالكتابة من بوابة القراءة، فهي كانت المحفز الأول والأهم. فقد قرأت الكثير من الروايات التي أثرت فيَّ، وأيقظت بداخلي رغبة عميقة في التعبير عن أفكاري وسرد عوالمي الخاصة. أنا من الأشخاص الذين لا يكفون عن التفكير، وأمتلك خيالًا واسعًا يحتاج إلى فضاء يحتضنه. وجدت في الكتابة ذلك الفضاء الرحب، حيث استطعت صبّ مخيلتي الخصبة التي نمت وتغذت على القراءة، وتهذبت بجمال الطبيعة الريفية الخلابة التي نشأت فيها. الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد هواية، بل هي امتداد لذاتي وطريقة لفهم العالم والتفاعل معه.

أنتِ كاتبة متعددة الإنتاج، بين القصة القصيرة، والأدب النقدي الساخر، والرواية. أي نوع أدبي تجدين نفسك فيه أكثر؟

لا أرى اختلافًا جوهريًا بين هذه الأنواع، فكلها تقوم على السرد وتتطلب خيالًا واسعًا وخلفية ثقافية عميقة.

حصلتِ على دكتوراه في علم الآثار والمتاحف، فهل أثرت هذه الخلفية العلمية على أسلوبك في الكتابة واختيار المواضيع؟

نعم، كان لخلفيتي الأكاديمية في علم الآثار والمتاحف تأثير كبير على أسلوبي في الكتابة واختيار مواضيعي. فبمجرد أن يقرأ القارئ أحد نصوصي، سيلحظ بوضوح العمق التاريخي والأثري الذي يميزها. أنا حريصة على توظيف هذا البعد في أعمالي الأدبية، لأنه يمنحها قيمة معرفية إضافية، ويجعلها لا تقتصر على السرد الإبداعي فحسب، بل تلامس العقل والقلب معًا، مما يثري تجربة القراءة ويضفي عليها بعدًا فكريًا وثقافيًا مميزًا.

عن روايتك الجديدة “لؤلؤة الموساد”

بعد ثلاث سنوات من العمل على “لؤلؤة الموساد”، ما الذي دفعكِ لاختيار قصة شولاميت كوهين لتكون محور الرواية؟

شاهدتُ بالصدفة تقريرًا تلفزيونيًا عن شولاميت كوهين، فأثارت قصتها فضولي. وعندما بدأتُ بالبحث عنها، فوجئتُ بقلّة الأعمال التي تناولت حياتها رغم دورها البارز في عالم التجسس، ومساهمتها في تأسيس دولة إسرائيل عبر تهريب آلاف اليهود العرب إلى فلسطين المحتلة. هذا الجانب غير المسلط عليه الضوء في السرد الروائي حفزني على خوض هذه الرحلة الكتابية، لاستكشاف أبعاد شخصيتها وتسليط الضوء على الأحداث التاريخية المرتبطة بها.

 

ما هي أبرز الصعوبات التي واجهتكِ أثناء البحث والكتابة عن هذه الشخصية المثيرة للجدل؟

 كان الحصول على المعلومات تحديًا صعبًا، خاصة مع التناقض الواضح بين المصادر، مما اضطرني في بعض الأحيان إلى توظيف الخيال لسد الفجوات وإضفاء التماسك على السرد. اعتمدت بشكل أساسي على المراجع الأجنبية، حيث وجدت أن الأدب الجاسوسي في العالم العربي يميل إلى الطابع الانتقامي أكثر من الواقعية، بينما كنت أسعى إلى تقديم سرد موضوعي بعيدًا عن تأثير المشاعر والانحيازات الشخصية، مع التركيز على المصداقية والبحث التاريخي الدقيق.

هل تعتبرين الرواية تأريخًا روائيًا أم أنها تتجاوز السرد التاريخي إلى رؤية نقدية للواقع السياسي في المنطقة؟

الرواية مزيج من التأريخ والسرد النقدي، بل وأكثر من ذلك. فهي لا تكتفي برصد الأحداث التاريخية، بل تتعمق في المشاعر الإنسانية، مستكشفةً كيفية تفاعل الأفراد مع كل مرحلة زمنية. كما أنها تطرح رؤية نقدية للواقع السياسي، لكن بأسلوب غير مباشر، من خلال مواقف الشخصيات وردود أفعالها—غضبها، رفضها، وتحديها للواقع. بهذا الشكل، تصبح الرواية ليس مجرد تأريخ للأحداث، بل مرآة تعكس التعقيدات العاطفية والفكرية المرتبطة بها.

الرواية تسلط الضوء على الجاسوسية في الشرق الأوسط، فكيف ترين تأثير مثل هذه الشخصيات على المشهد السياسي الإقليمي؟

تلعب الشخصيات الجاسوسية دورًا محوريًا في تشكيل المشهد السياسي في الشرق الأوسط، إذ لا يقتصر تأثيرها على العمليات الاستخباراتية فحسب، بل يمتد إلى إعادة رسم التحالفات، وإشعال الصراعات، وحتى التأثير في مسارات الدول. الجاسوسية ليست مجرد أداة لجمع المعلومات، بل وسيلة استراتيجية تُستخدم لزعزعة الاستقرار أو ترسيخه، وفقًا لأجندات الدول الفاعلة. في روايتي، حاولت استكشاف كيف تصبح هذه الشخصيات، بقراراتها وتحركاتها، عناصر غير مرئية لكنها حاسمة في إعادة تشكيل التوازنات السياسية في المنطقة.

هل واجهتِ أي تحديات في نشر الرواية نظرًا لحساسيتها السياسية؟

لم أواجه تحديات في نشر الرواية، فالأدب الجاسوسي يُعد من الأنواع الأدبية المحببة لدى القراء، كما أنه يلقى اهتمامًا من دور النشر التي تسعى إلى إصدار أعمال تجذب الانتباه وتثير الفضول.

حول أعمالها الأخرى ورؤيتها للأدب

من بين كتبكِ السابقة، “ابنة الرماد” و”تراجيديا الحرية – حلب”، هل هناك عمل قريب إلى قلبك أكثر من غيره؟ ولماذا؟

لؤلؤة الموساد” هي الأقرب إلى قلبي، لأنها تمثل مرحلة أكثر نضجًا في مسيرتي الأدبية. هذه الرواية لم تكن مجرد عمل سردي، بل كانت تجربة بحثية عميقة، تطلبت الكثير من التدقيق والتأمل في الأحداث والشخصيات. كما أنها سمحت لي بالغوص في عالم الجاسوسية بزاوية مختلفة، مما جعلها تحديًا فكريًا وإبداعيًا منحني شعورًا بالرضا ككاتبة.

 

إلى أي مدى يمكن للأدب أن يكون وسيلة لتوثيق التاريخ وكشف الحقائق المخفية؟

يملك الأدب قوة استثنائية في توثيق التاريخ وكشف الحقائق المخفية، لأنه لا يقتصر على تسجيل الأحداث، بل يعيد سردها من زوايا إنسانية تتيح فهماً أعمق لتأثيرها. على عكس السرد التاريخي الرسمي، يمنح الأدب مساحة لاستكشاف المشاعر، والدوافع، والتفاصيل غير المعلنة، مما يجعله أداة لكشف الحقائق المسكوت عنها أو التي جرى تحريفها. كما يتيح إعادة بناء الروايات التاريخية بمنظور نقدي، ما يساعد في تقديم رؤية أكثر شمولية وموضوعية للتاريخ، بعيدًا عن التحيزات السياسية أو الأيديولوجية.

في أعمالكِ مثل “تراجيديا الحرية – حلب”، تناولتِ قضايا الحروب والصراعات، كيف ترين تأثير هذه الصراعات على الفكر العربي؟

الحرية في سوريا كانت حلمًا مشروعًا تحول إلى مأساة إنسانية معقدة. في تراجيديا الحرية – حلب، حاولت تسليط الضوء على هذا التحول المأساوي، حيث بدأت الثورة السورية كمطلب شعبي للتغيير والعدالة، لكنها سرعان ما انجرفت نحو صراع دموي بسبب التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية.

حلب، التي كانت رمزًا للحضارة والتاريخ، أصبحت مسرحًا لأحد أكثر فصول الحرب دموية، حيث اختلطت أحلام الحرية بالدمار والنزوح والمآسي الإنسانية. الثورة السورية لم تغيّر فقط معالم المدن، بل أعادت تشكيل وعي السوريين أنفسهم، إذ عاشوا تحولات قاسية بين الأمل واليأس، وبين النضال من أجل الحقوق المشروعة والخوف من المصير المجهول.

كيف تنظرين إلى الحرية الفكرية في العالم العربي اليوم؟ وهل ما زال المثقف محاصرًا؟

الحرية الفكرية في العالم العربي لا تزال مقيدة بالكثير من العوامل السياسية والاجتماعية والدينية، مما يجعلها في كثير من الأحيان حرية مشروطة أو مقننة. ورغم التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التعبير الحديثة، إلا أن المثقف لا يزال محاصرًا، سواء بالرقابة الرسمية أو بالقيود المجتمعية التي تفرض عليه خطوطًا حمراء غير معلنة.

اليوم، يواجه المثقف معركة مزدوجة؛ فمن جهة، عليه مواجهة التضييق على الأفكار والآراء، ومن جهة أخرى، عليه التعامل مع بيئة ثقافية مشحونة بالاستقطاب والتأطير الأيديولوجي. ومع ذلك، تبقى الحرية الفكرية ضرورة لا يمكن تجاوزها، والمثقف الحقيقي هو الذي يجد طريقه للتعبير، حتى وسط القيود، عبر البحث عن مساحات جديدة للحوار والإبداع.

  هل تعتقدين أن الرواية العربية باتت أكثر جرأة في تناول القضايا السياسية والاجتماعية، أم أن هناك خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها؟

الرواية العربية اليوم بلا شك أصبحت أكثر جرأة في تناول القضايا السياسية والاجتماعية، خاصة مع تطور وسائل النشر وانتشار المنصات الرقمية التي أتاحت فضاءً أوسع للتعبير. العديد من الكتاب باتوا يتحدون المحظورات ويناقشون قضايا كانت تُعد من التابوهات، مثل الفساد السياسي، والسلطة، وحقوق الإنسان، وقضايا الهوية والصراعات الاجتماعية.

ومع ذلك، لا تزال هناك خطوط حمراء، بعضها معلن والآخر غير مباشر، يفرضها الواقع السياسي والرقابة الرسمية، وأحيانًا حتى الرقابة المجتمعية. فبينما قد تتيح بعض الدول مساحة أكبر للنقاش، تظل هناك مواضيع حساسة قد تعرّض الكاتب للملاحقة أو التهميش. لكن الأدب بطبيعته مقاوم للقيود، ودائمًا ما يجد طريقه للتعبير، سواء عبر الرمزية أو الأساليب السردية غير المباشرة، مما يجعل الرواية وسيلة قوية لكسر الحواجز وإثارة الأسئلة التي يخشى الكثيرون طرحها علنًا.

من خلال أعمالكِ الأدبية، كيف ترين وضع حرية المرأة العربية اليوم؟ هل تعتقدين أن هناك تقدمًا حقيقيًا أم أننا ما زلنا نواجه العقبات ذاتها؟

حرية المرأة العربية اليوم تقف عند مفترق طرق بين التقدم والعوائق المستمرة. لا يمكن إنكار أن هناك تطورات ملحوظة في بعض المجتمعات العربية، سواء من حيث التشريعات الداعمة لحقوق المرأة أو ازدياد حضورها في مجالات التعليم والعمل والسياسة. باتت المرأة أكثر قدرة على التعبير عن نفسها، وأصبح صوتها مسموعًا في قضايا لم يكن يُسمح لها بطرحها سابقًا.

لكن رغم هذه الخطوات، لا تزال العقبات ذاتها قائمة في كثير من الجوانب، خاصة تلك المرتبطة بالمنظومة الاجتماعية والثقافية التي تكرّس أدوارًا تقليدية تحدّ من حرية المرأة. هناك فجوة واضحة بين القوانين والواقع، حيث تبقى العادات والتقاليد عائقًا أمام تحقيق المساواة الحقيقية. في أعمالي الأدبية، أحاول تسليط الضوء على هذه التحديات، ليس فقط من خلال توثيقها، بل أيضًا من خلال استكشاف عمقها النفسي والاجتماعي، لإظهار أن حرية المرأة ليست مجرد قضية قانونية، بل معركة وعي وتغيير مستمر.

هل تجدين أن الأدب العربي ينصف قضايا المرأة؟ أم أن هناك محاولات لتهميش صوت الكاتبات العربيات؟

في رأيكِ، ما الدور الذي يلعبه الأدب في تعزيز الوعي بحقوق المرأة في المجتمعات العربية؟

الأدب العربي يحمل وجهين في تعامله مع قضايا المرأة. فمن جهة، هناك أعمال كثيرة أنصفت المرأة وسلطت الضوء على قضاياها بجرأة وعمق، حيث قدمت صورة صادقة لمعاناتها وتحدياتها، سواء في الأدب النسوي الذي تكتبه النساء، أو في أعمال بعض الكتاب الذين دافعوا عن حقوق المرأة من خلال شخصياتهم الروائية.

لكن من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن هناك محاولات مستمرة لتهميش صوت الكاتبات العربيات، سواء عبر تقليل أهمية كتاباتهن، أو وضعهن ضمن تصنيفات ضيقة مثل “الأدب النسوي”، وكأن قضاياهن لا تمثل قضايا المجتمع ككل.

أما عن دور الأدب في تعزيز الوعي بحقوق المرأة، فهو يلعب دورًا محوريًا في كشف معاناتها وتحدياتها، وإعادة تشكيل الصورة النمطية عنها. الأدب ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو قوة تغيير، وعندما يطرح قضايا المرأة بعمق وواقعية، فإنه يساعد في خلق نقاشات مجتمعية قد تؤدي إلى تغيير حقيقي. الرواية، القصة، والشعر قادرة على اختراق الحواجز الاجتماعية وإيصال صوت المرأة إلى أماكن لم يكن ليسمع فيها، مما يجعله سلاحًا ثقافيًا في معركة الوعي والمساواة.

الواقع الثقافي والكتابي

كيف تقيمين واقع الأدب في لبنان والعالم العربي اليوم؟ وهل تجدين أن هناك تحديات تواجه الكُتّاب؟

الأدب في لبنان والعالم العربي يمرّ بمرحلة ديناميكية تجمع بين الإبداع والتحديات. هناك نهضة أدبية ملحوظة مع ظهور أصوات جديدة تتناول مواضيع جريئة ومتنوعة، كما أن وسائل النشر الحديثة، بما في ذلك المنصات الرقمية ودور النشر المستقلة، فتحت آفاقًا أوسع للكتّاب للوصول إلى جمهورهم بعيدًا عن القيود التقليدية. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه الكتّاب، أبرزها الرقابة، سواء الرسمية أو المجتمعية، التي تفرض خطوطًا حمراء على بعض المواضيع، مما يدفع البعض إلى اللجوء إلى الرمزية أو التلميح بدلاً من الطرح المباشر.

كما أن الأوضاع الاقتصادية والسياسية تلعب دورًا مؤثرًا، خاصة في لبنان، حيث تعاني صناعة النشر من أزمات متعددة، من ارتفاع تكاليف الطباعة إلى تقلص فرص التوزيع، مما يضعف وصول الكتب إلى القرّاء. ومع ذلك، يبقى الأدب العربي، رغم كل هذه العقبات، قادرًا على التطور والتجديد، مستمدًا قوته من غناه الثقافي، وتاريخ السرد الطويل الذي يجعله وسيلة للتعبير والمقاومة والتأثير في الوعي الجماعي.

في ظل التغيرات التكنولوجية وانتشار وسائل التواصل، هل تعتقدين أن الرواية لا تزال تحظى بمكانة قوية بين القرّاء؟

نعم، رغم التغيرات التكنولوجية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لا تزال الرواية تحظى بمكانة قوية بين القرّاء، لكنها تأخذ أشكالًا مختلفة اليوم. صحيح أن الإيقاع السريع للحياة الرقمية قلل من معدلات القراءة التقليدية لدى البعض، إلا أنه في المقابل ساهم في خلق منصات جديدة للترويج للأدب، مثل الكتب الإلكترونية والمسموعة، مما جعل الوصول إلى الرواية أسهل وأكثر تنوعًا.

وسائل التواصل الاجتماعي لعبت أيضًا دورًا مزدوجًا؛ فمن جهة، جذبت الانتباه نحو المحتوى السريع والمختصر، لكنها في الوقت نفسه ساهمت في خلق مجتمعات قرّاء أوسع، حيث أصبح من السهل تبادل التوصيات الأدبية وإثارة النقاشات حول الكتب. لا يزال الناس بحاجة إلى السرد العميق والتجربة الإنسانية التي تقدمها الرواية، لأنها توفر لهم مساحة للتأمل والهروب من ضغوط الواقع، ولهذا ستظل الرواية قادرة على الصمود والتكيف مع التحولات التكنولوجية، وإن كان ذلك بأساليب جديدة تتماشى مع العصر الرقمي.

ما رأيكِ في صناعة النشر اليوم؟ وهل تعتقدين أن الكُتّاب العرب يواجهون صعوبة في الوصول إلى جمهور واسع؟

 

صناعة النشر اليوم تمرّ بتحولات كبيرة، فبينما شهدت بعض الجوانب تطورًا ملحوظًا بفضل التكنولوجيا والكتب الإلكترونية والمسموعة، لا تزال هناك تحديات تواجه الكُتّاب العرب في الوصول إلى جمهور واسع. المشهد الأدبي أصبح أكثر تنوعًا من حيث طرق النشر، فإلى جانب دور النشر التقليدية، ظهرت منصات رقمية توفر فرصًا جديدة للكُتّاب المستقلين، مما ساهم في كسر احتكار النشر وجعل الإصدارات أكثر تنوعًا وانتشارًا.

ومع ذلك، لا تزال هناك صعوبات، أبرزها قلة الدعم لصناعة الكتاب في بعض الدول العربية، وارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع، مما يحدّ من انتشار الكتب الورقية. كما أن ضعف ثقافة القراءة في بعض المجتمعات، مقابل ازدياد هيمنة المحتوى البصري والتكنولوجي، يجعل من الصعب على الأدب أن يصل إلى جمهور واسع بسهولة. لكن رغم هذه التحديات، لا يزال هناك اهتمام واضح بالأدب، ويعتمد نجاح الكاتب اليوم على قدرته في التكيف مع الأدوات الحديثة للترويج لأعماله والتواصل المباشر مع القرّاء، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو النشر الرقمي، وهو ما يخلق فرصًا جديدة رغم العقبات التقليدية.

ما هي النصيحة التي تقدمينها للكتّاب الشباب الذين يسعون لشق طريقهم في عالم الأدب؟

نصيحتي للكتّاب الشباب هي أن يتحلّوا بالصبر والشغف والاستمرارية، فالأدب ليس مجرد موهبة، بل هو ممارسة يومية وتطوير مستمر. عليهم أن يقرأوا كثيرًا، وبشكل متنوع، لأن القراءة هي الوقود الأساسي للكتابة، وتمنحهم أدوات وأساليب تساعدهم في تشكيل صوتهم الأدبي الخاص.

كما أن الكتابة الحقيقية تأتي من الصدق مع الذات، لذا أنصحهم بأن يكتبوا عن المواضيع التي تؤثر فيهم شخصيًا، دون محاولة مجاراة ما هو رائج فقط. لا يجب أن يخافوا من النقد، بل عليهم أن يستفيدوا منه لصقل أعمالهم.

 أخيرًا، كيف يمكن للقراء الحصول على “لؤلؤة الموساد” وأعمالكِ الأخرى؟

لؤلؤة الموساد متوفرة مجانًا في مكتبة نور الإلكترونية، كما أنها متوفرة باللغة الإنجليزية على موقعي أمازون وكيندل. أما الأعمال الأخرى فهي متاحة في المكتبات في كل من بيروت وبغداد، ويمكن شراؤها عبر المواقع الإلكترونية مع توفر خدمة التوصيل.

كلمة اخيرة

 الكتب ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي أداة قوية تُلهِم العقول، وتفتح آفاقًا جديدة، وتساهم في تشكيل الوعي وإحداث التغيير. فالكلمة تمتلك قدرة سحرية على التأثير، وصناعة التحولات، وترك بصمة لا تزول بمرور الزمن. شكرًا لكل من يؤمن بقوة الأدب، ويمنح الكلمة المساحة التي تستحقها لتُحدث الفرق في الفكر والحياة.

إقرأ أيضا
الآبائية والكهنوت في ميزان الفكر الحديث: حوار مع الكاتب المغربي يوسف هريمة
الكاتبة العراقية سحاب رزاق : نصوصي تعكس فلسفتي في مواجهة الموت بالأمل والحرب بالحب
فريدة شعراوي: بدايتي مع يوسف زيدان كانت عبر “شجون عربية” في مكتبة الإسكندرية
من بغداد إلى الدنمارك: رحلة ليلى المرّاني الأدبية بين التحديات والإنجازات
الدكتورة عايدة الجوهري لـ«الجمهورية والعالم»: نوال السعداوي عززت فيّ روح التمرد
القاصّة فاديا عيسى قراجة لـ«الجمهورية والعالم»: “أضع الرجل والمرأة تحت مجهر كتاباتي، كلاهما ظالم ومظلوم، وكلاهما يلهمان الجمال”
التطور الثقافي وذهنية التحريم: تحليل شامل مع يوسف هريمة
“رؤية جديدة في عالم الأدب: الكاتبة أمل درويش تحكي قصتها وتشارك تجاربها”
“من الحب والشغف إلى عوالم الترجمة والشعر: قصة أمل الشربيني
“تأملات فنية: البحث عن العمق والمعنى في أعمال الفنانة اللبنانية هناء عبد الخالق”
من رسم العيون إلى رسم الكلمات: قصة شغف سلوى إدريسي بالكتابة 

Visited 31 times, 4 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق